فصل: تفسير الآيات رقم (100- 106)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعالبي المسمى بـ «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏35- 40‏]‏

‏{‏أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ‏(‏35‏)‏ وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ‏(‏36‏)‏ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ‏(‏37‏)‏ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ‏(‏38‏)‏ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ‏(‏39‏)‏ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ‏(‏40‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَمْ يَقُولُونَ افتراه‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال الطبريُّ وغيرُه‏:‏ هذه الآيةُ اعترضت في قِصَّة نوحٍ، وهي في شأن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مع قُرَيْشٍ‏.‏

قال * ع *‏:‏ ولو صحَّ هذا بسندٍ، لوجب الوقوفُ عنده، وإِلا فهو يَحْتملُ أَنْ يكون في شأن نوح عليه السلام، وتَتَّسِقُ الآية، ويكونُ الضمير في «افتراه» عائداً علي ما توعَّدهم به، أو عَلى جميعِ ما أخبرهم به، وبمعنى «بل»‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، قيل لنوح هذا بَعْدَ أَنْ طال عليه كُفْر القَرْن بعد القَرْن به، وكان يأتيه الرجُلُ بابنه، فيقول‏:‏ يا بُنَيَّ، لا تُصَدِّقْ هذا الشيخَ، فهكذا عَهِدَهُ أَبي وَجَدِّي كَذَّاباً مَجْنُوناً، رَوَاهُ عُبَيْدُ بن عُمَير وغيره، فروي أنه لما أوحِيَ إِليه ذَلك، دَعَا، فقَالَ‏:‏ ‏{‏رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 26‏]‏، و‏{‏تَبْتَئِسْ‏}‏ من البُؤْس، ومعناه‏:‏ لا تَحْزَنْ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بِأَعْيُنِنَا‏}‏‏:‏ يمكنُ أَنْ يريد بمرأًى منا، فيكون عبارةً عن الإِدراك والرعاية والحفْظ، ويكونُ جَمَعَ الأَعْيُنِ، للعظمةِ لا للتكثير؛ كما قال عزَّ مِنْ قائل‏:‏ ‏{‏فَنِعْمَ القادرون‏}‏ ‏[‏المرسلات‏:‏ 23‏]‏، والعقيدةُ أنه تعالَى منزهُ عن الحواسِّ، والتشبيهِ، والتكييفِ، لا ربَّ غيره، ويحتملُ قوله‏:‏ ‏{‏بِأَعْيُنِنَا‏}‏ أيُّ‏:‏ بملائكتنا الذين جعلْناهم عيوناً على مواضع حِفْظِكَ وَمَعُونَتِك، فيكون الجَمْعُ على هذا التأويلِ‏:‏ للتكْثير‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَوَحْيِنَا‏}‏ معناه‏:‏ وتعليمنا له صُورَةَ العَمَل بالوحْيِ، ورُوِيَ في ذلك‏:‏ «أَنَّ نوحاً عليه السلام لَمَّا جَهِلَ كَيْفِيَّة صُنْعِ السَّفِينَةِ، أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ، أَن اصنعها على مثال جُؤْجُؤِ الطَّائِرِ» إِلى غير ذلك ممَّا علِّمَهُ نوحٌ من عملها‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تخاطبني فِي الذين ظَلَمُواْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، قال ابْنُ جُرَيْج في هذه الآية‏:‏ تقدَّم اللَّه إِلَى نوحٍ أَلاَّ يَشْفَعَ فيهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَيَصْنَعُ الفلك‏}‏‏:‏ التقديرُ‏:‏ فشَرَعَ يصْنَعُ، فحكيتْ حالُ الاستقبال، وال ‏{‏مَلأٌ‏}‏ هنا‏:‏ الجماعة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏سَخِرُواْ مِنْهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ السُّخْر‏:‏ الاستجهال مع استهزاء، وإِنما سخروا منه في أنْ صنعها في بَرِّيَّةٍ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ‏}‏ قال الطبريُّ‏:‏ يريد في الآخرة‏.‏

قال * ع *‏:‏ ويحتمل الكلام- وهو الأرجح- أن يريد‏:‏ إِنا نسخر منكم الآن، والعذابُ المُخْزِي‏:‏ هو الغَرَق، وال ‏{‏مُّقِيمٌ‏}‏‏:‏ هو عذاب الآخرة، وال«الأمر»‏:‏ واحد الأمور، ويحتملُ أن يكون مصدر «أمَرَ»، فمعناه‏:‏ أَمْرُنَا للمَاءِ بالفَوَرَانِ، ‏{‏وَفَارَ‏}‏ معناه‏:‏ انبعث بقُوَّة، واختلف النَّاس في التَّنُّور، والذي عليه الأكثَرُ، منهم ابنُ عباس وغيره‏:‏ أنه هو تَنُّور الخُبْز الذي يُوقَدُ فيه، وقالوا‏:‏ كانَتْ هذه أمارَةً، جعلها اللَّه لنُوحٍ، أي‏:‏ إِذا فار التنُّور، فاركب في السفينة‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قُلْنَا احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول وَمَنْ آمَنَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، الزَّوْج‏:‏ يقال في مشهورِ كلامِ العرب‏:‏ للواحد مما له ازدواجٌ، فيقال‏:‏ هذا زَوْجُ هذا، وهما زَوْجَان، والزوج أيضاً في كلام العرب‏:‏ النَّوْع، وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَهْلَكَ‏}‏‏:‏ عطْفٌ علَى ما عَمِلَ فيه ‏{‏احمل‏}‏ والأهل، هنا‏:‏ القرابةُ، وبشَرْط مَنْ آمن منهم، خُصِّصُوا تشريفاً، ثم ذكر ‏{‏مَنْ آمَنَ‏}‏، وليس من الأهْل، واختلف في الذي سبق عليه القوْلُ بالعَذَابِ، فقيل‏:‏ ابنُهُ يَام، أوْ كنعان، وقيل‏:‏ امرأته وَالِعَةُ- بالعين المهملة-، وقيل‏:‏ هو عمومٌ فيمن لم يؤمن مِنْ أهْل نوحٍ، ثم قال سبحانه إِخباراً عن حالهم‏:‏ ‏{‏وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏41- 43‏]‏

‏{‏وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏41‏)‏ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ ‏(‏42‏)‏ قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ‏(‏43‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ اركبوا فِيهَا‏}‏‏:‏ أي‏:‏ وقال نوحٌ لمن معه‏:‏ اركبوا فيها، وقوله‏:‏ ‏{‏بِسْمِ الله‏}‏ يصحُّ أنْ يكون في موضع الحال في ضمير «اركبوا»، أي‏:‏ اركبوا متبرِّكين باسم اللَّه، أو قائلين‏:‏ باسم اللَّه، ويجوزُ أن يكون‏:‏ ‏{‏بِسْمِ * الله مجراها ومرساها‏}‏ جملةً ثانيةً من مبتدإٍ وخبرٍ، لا تعلُّق لها بالأولَى كأنه أمرهم أولاً بالركوب، ثم أخبر أن مجراها ومرساها باسم اللَّه‏.‏ قال الضَّحَّاك‏:‏ كان نوحٌ إِذا أراد جَرْيَ السفينة، جَرَتْ، وإِذا أَراد وقوفَها، قال‏:‏ باسم اللَّه، فتقف، وقرأ الجمهور بضم الميم من «مُجْرَاهَا ومُرْسَاهَا» على معنى إِجرائها وإِرسائها، وقر الأَخَوَان حَمْزَةُ والكِسَائيُّ وحفصٌ بفتح ميمٌ «مَجْريهَا» وكسر الراء، وكلُّهم ضمَّ الميم في «مُرْسَاهَا»‏.‏

* ت *‏:‏ قوله‏:‏ «وكسر الراء»‏:‏ يريد إِمالتها، وفي كلامِهِ تسامُحٌ، ولفظُ البخاريِّ‏:‏ مُجْرَاها‏:‏ مَسِيرُها، ومُرْسَاها‏:‏ مَوْقِفُها، وهو مصدرُ‏:‏ أُجْرَيْتُ وأَرْسَيْتُ‏.‏ انتهى‏.‏

قال النوويُّ‏:‏ ورُوِّيَنا في «كتاب ابن السُّنِّيِّ» بسنده، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ‏:‏ ‏"‏ أَمَانٌ لأُمَّتي مِنَ الغَرَقِ، إِذَا رَكِبُوا أَنْ يَقُولُوا‏:‏ ‏{‏بِسْمِ الله مجراها ومرساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏ ‏{‏وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ‏.‏‏.‏‏}‏ الآية ‏[‏الأنعام‏:‏ 91‏]‏ ‏"‏، هكذا هو في النُّسَخ‏:‏ «إِذَا رَكِبُوا»، ولم يقلْ‏:‏ «في السفينة» انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ‏}‏ أي‏:‏ في ناحيةٍ، أي‏:‏ في بُعْدٍ عن السفينة، أوْ عن الدِّين، واللفظ يعمُّهما‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين‏}‏‏:‏ يحتمل أنْ يكون نهياً محضاً مع علمه بأَنَّه كافرٌ، ويحتمل أنْ يكون خَفِيَ عليه كُفْره؛ والأول أبْيَنُ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ‏}‏‏:‏ الظاهر أنَّ ‏{‏لاَ عَاصِمَ‏}‏ اسمُ فاعِلٍ على بابه، وقوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَن رَّحِمَ‏}‏‏:‏ يريد‏:‏ إِلا اللَّهَ الرَّاحِمَ، ف «مَنْ» كنايةٌ عن اللَّه، المعنى‏:‏ لا عاصِمَ اليَوْم إِلا الذي رَحِمَنَا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏44- 48‏]‏

‏{‏وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏44‏)‏ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ‏(‏45‏)‏ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ‏(‏46‏)‏ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ‏(‏47‏)‏ قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏48‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَقِيلَ ياأرض ابلعي مَاءَكِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ البَلْع‏:‏ تجرُّع الشيء؛ وازدراده، والإِقلاع عن الشيء‏:‏ تركُه، و‏{‏غِيضَ‏}‏ معناهُ‏:‏ نَقَصَ، وأكْثَرُ ما يجيء فيما هو بمعنى الجُفُوف، وقوله‏:‏ ‏{‏وَقُضِيَ الأمر‏}‏‏:‏ إِشارة إِلى جميع القصَّة‏:‏ بعثِ الماء، وإِهلاكِ الأُممِ، وإِنجاءِ أَهْلِ السفينة‏.‏

قال * ع *‏:‏ وتظاهرت الرواياتُ وكُتُبُ التفسير بأَنَّ الغرق نَالَ جميعَ أَهْلِ الأَرْضِ، وعَمَّ الماءُ جَمِيعَهَا؛ قاله ابن عباس وغيره، وذلك بَيِّن من أمْرِ نوحٍ بحمل الأزواجِ مِنْ كلِّ الحيوانِ، ولولا خَوْفُ فنائها مِنْ جميعِ الأرضِ، ما كان ذلك، وروي أنَّ نوحاً عليه السلام رَكِبَ في السفينةِ مِنْ عَيْنِ الوَرْدَةِ بالشامِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، واستوت ‏[‏السفينة‏]‏ على الجودِيِّ في ذي الحِجَّة، وأقامَتْ عليه شهراً، وقيل له‏:‏ ‏{‏اهبط‏}‏ في يوم عاشُورَاءَ، فصامه هو ومَنْ معه، وروي أنَّ اللَّه تعالى أَوحى إِلى الجبالِ؛ أَنَّ السفينة تَرْسِي على واحد منها، فتطاوَلَتْ كلُّها، وبقي الجُودِيُّ، وهو جبلٌ بالمَوْصِل في ناحيةِ الجزيرةِ، لم يتطاوَلْ؛ تواضعاً للَّه؛ فاستوت السفينةُ بأمْر اللَّهِ عليه، وقال الزَّجَّاجُ‏:‏ الجُودِيُّ‏:‏ هو بناحية «آمد»، وقال قوم‏:‏ هو عند باقردي، وأكْثَرَ النَّاسُ في قصص هذه الآية، واللَّه أعلم بما صَحَّ من ذلك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَقِيلَ بُعْدًا‏}‏‏:‏ يحتمل أنْ يكون من قول اللَّه عزَّ وجلَّ؛ عطفاً على قوله‏:‏ ‏{‏وَقِيلَ‏}‏ الأولِ، ويحتملُ أن يكون من قول نوحٍ والمؤمنين، والأول أظهر‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ احتجاج من نوحٍ عليه السلام أَنَّ اللَّه أمره بحَمْلِ أهله، وابنه من أهله، فينبغي أن يُحْمَلَ، فأظهر اللَّه له أنَّ المراد مَنْ آمَنَ من الأهْلِ، وهذه الآية تقتضي أن نوحاً عليه السلام ظَنَّ أنَّ ابنه مؤمنٌ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ‏}‏ أي‏:‏ الذين عَمَّهم الوعْد؛ لأنه ليس على دينِك، وإِن كان ابنك بالولادة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏عَمَلٌ غَيْرُ صالح‏}‏‏:‏ جعله وصفاً له بالمصدر؛ على جهة المبالغة في وصفه بذلك؛ كما قالت الخَنْسَاءُ تصفُ ناقَةً ذَهَبَ عنْها ولَدُها‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

تَرْتَعُ مَا رَتَعَتْ حَتَّى إِذَا ادكرت *** فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَالٌ وَإِدْبَارُ

أي‏:‏ ذاتُ إِقبالٍ وإِدبارٍ؛ ويبيِّن هذا قراءةُ الكسَائِيِّ «إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالحٍ» فعلاً ماضياً، ونصب «غير» على المفعول ل «عَمِلَ»، وقولُ من قال‏:‏ «إِن الولد كان لِغِيَّةٍ» خطأ محضٌ، وهذا قولُ ابنِ عبَّاسٍ والجمهور؛ قالوا‏:‏ وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَخَانَتَاهُمَا‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 10‏]‏ فإِن الواحدة كانَتْ تقول للناس‏:‏ هو مجنونٌ، والأخرَى كانت تنبِّه على الأضيافِ، وأما خيانة غَيْرُ هذا، فلا؛ ويَعْضُدُه المعنَى، لشرف النبوَّة، وجوَّز المَهْدَوِيُّ أَنْ يعود الضمير في «إِنَّهُ» على السؤال، أي‏:‏ إِن سؤالك إِيَّايَ ما ليس لَكَ به علْم عملٌ غَيْرُ صالحٍ؛ قاله النَّخَعِيُّ وغيره‏.‏ انتهى‏.‏ والأولُ أبينُ؛ وعليه الجمهورُ، وبه صدَّر المهدويُّ، ومعنى قوله‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏}‏ أي‏:‏ إِذَا وَعَدتكَ، فاعلم يقيناً؛ أَنه لا خُلْفَ في الوعد، فإِذا رأيتَ ولدك لم يُحْمَلْ، فكان الواجبُ عليك أنْ تقف، وتَعْلَم أَنَّ ذلك بحقٍّ واجبٍ عند اللَّه‏.‏

قال * ع *‏:‏ ولكنَّ نوحاً عليه السلام حملته شفقةُ الأُبوَّة وسجيَّة البَشَر على التعرُّض لنفَحَاتِ الرحْمة، وعَلَى هذا القَدْر وقَع عتابُهُ؛ ولذلك جاء بتلطُّف وترفيع في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين‏}‏، ويحتمل قوله‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ‏}‏ أي‏:‏ لا تطلُبْ منِّي أمراً لا تعلم المصلحة فيه عِلْمَ يقينٍ، ونحا إِلى هذا أبو عليٍّ الفارسيُّ، وهذا والأول في المعنَى واحدٌ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ‏}‏‏:‏ إِنابة منه عليه السلام، وتسليمٌ لأمر ربه، والسؤالُ الذي وقع النهْيُ عنه، إِنما هو سؤالُ العَزْمِ الذي معه محاجَّة وطَلِبَةٌ مُلِحَّةٌ فيما قد حُجِبَ وجْهُ الحكمة فيه، وأما السؤال؛ علَى جهة الاسترشاد والتعلُّم، فغير داخل في هذا، ثم قيل له‏:‏ ‏{‏اهبط بسلام‏}‏، وذلك عند نزوله من السفينة، وال ‏{‏سلام‏}‏؛ هنا‏:‏ السلامةُ والأمن، وال ‏{‏بركات‏}‏ الخيرُ والنموُّ في كلِّ الجهات، وهذه العِدَةُ، تعمُّ جميع المؤمنين إِلى يوم القيامة، قاله محمد بن كَعْب القُرَظِيُّ، ثم قطع قَوْلُهُ‏:‏ ‏{‏وَأُمَمٍ‏}‏ عَلَى وجْه الابتداء، وهؤلاء هم الكُفَّار إِلى يوم القيامة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏49- 51‏]‏

‏{‏تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ‏(‏49‏)‏ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ‏(‏50‏)‏ يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏51‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏تِلْكَ‏}‏ إِشارة إِلى القصة، وباقي الآية بيِّنٍ‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ عَطْفٌ على قوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 25‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏52- 59‏]‏

‏{‏وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ‏(‏52‏)‏ قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ‏(‏53‏)‏ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ‏(‏54‏)‏ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ ‏(‏55‏)‏ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏56‏)‏ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ‏(‏57‏)‏ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ‏(‏58‏)‏ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ‏(‏59‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وياقوم استغفروا رَبَّكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الاستغفار‏:‏ طَلَبُ المغفرة، فقَدْ يكون ذلك باللسان، وقد يكون بإِنابة القَلْب وطَلَب الاسترشاد‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ‏}‏، أي‏:‏ بالإِيمان من كُفْركم، والتوبَةُ‏:‏ عقْدٌ في ترك مَتُوبٍ منه، يتقدَّمها علْمٌ بفساد المَتُوب مِنْه، وصلاحٍ ما يَرْجِعُ إِليه، ويقترن بها نَدَمٌ على فَارِطِ المَتُوبِ منه، لا يَنْفَكُّ منه، وهو من شروطها و‏{‏مِّدْرَاراً‏}‏ بناءُ تكثير، وهو مِنْ دَرَّ يَدُرُّ، وقد تقدَّمت قصة «عاد»‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ‏}‏ ظاهره العمومُ في جميع ما يُحْسِنُ اللَّه تعالى فيه إِلى العباد، ويحتملُ أَنْ خَصَّ القوة بالذكْرِ، إِذا كانوا أَقْوَى العَوَالِمِ، فوُعِدُوا بالزيادَةِ فيما بَهَرُوا فيه، ثم نهاهُمْ عن التولِّي عن الحقِّ، وقولهم‏:‏ ‏{‏عَن قَوْلِكَ‏}‏، أي‏:‏ لا يكونُ قولُكَ سَبَبَ ترْكِنا، وقال * ص *‏:‏ ‏{‏عَن قَوْلِكَ‏}‏‏:‏ حالٌ من الضمير في «تاركي»، أي‏:‏ صادِرِينَ عن قولك، وقيل‏:‏ «عن»‏:‏ للتعليل، كقولهِ‏:‏ ‏{‏إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 114‏]‏ وقولهم‏:‏ ‏{‏إِن نَّقُولُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ معناه‏:‏ ما نَقُولُ إِلا أَن بعض آلهتنا التي ضَلَّلْتَ عَبَدَتَهَا أَصابَكَ بجُنُونٍ، يقال‏:‏ عَرَّ يَعُرُّ، واعترى يَعْتَرِي؛ إِذا أَلمَّ بالشيء‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَكِيدُونِي جَمِيعًا‏}‏‏:‏ أي‏:‏ أنتم وأصنامكم، ويذكر أن هذه كَانَتْ له عليه السلام معجزةً، وذلك أنَّه حرَّض جماعتهم عَلَيْه مع انفراده وقوَّتهم وكُفْرهم، فلم يَقْدِروا علَى نيله بسُوءٍ، و‏{‏تَنظِرُونَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ تؤخِّروني، أيْ‏:‏ عاجلوني بما قَدَرْتم عليه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبِّي على صراط مُّسْتَقِيمٍ‏}‏ يريد‏:‏ إِن أفعالَ اللَّه عزَّ وجلَّ في غاية الإِحكام، وقوله الصِّدْقُ ووعَده الحَقُّ، و‏{‏عَنِيدٍ‏}‏‏:‏ من عند إِذا عَتَا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏60- 66‏]‏

‏{‏وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ‏(‏60‏)‏ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ‏(‏61‏)‏ قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ‏(‏62‏)‏ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ‏(‏63‏)‏ وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ‏(‏64‏)‏ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ‏(‏65‏)‏ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ‏(‏66‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأُتْبِعُواْ فِي هذه الدنيا لَعْنَةً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ حَكَمَ عليهم سبحانه بهذا؛ لموافاتهم على الكُفْر، ولا يُلْعَنُ معيَّنٌ حُيٌّ‏:‏ لا مِنْ كافرٍ، ولا من فاسقٍ، ولا من بهيمةٍ، كلُّ ذلك مكروهٌ بالأحاديث‏.‏

* ت *‏:‏ وتعبيره بالكراهَةِ، لعلَّه يريد التحريمَ، ‏{‏وَيَوْمَ‏}‏‏:‏ ظَرفٌ، ومعناه‏:‏ إِن اللعنة علَيْهم في الدُّنيا، وفي يوم القيامة، ثم ذكَر العلَّة الموجِبَةَ لذلك، وهي كُفْرهم بربهم، وباقي الآية بيِّن‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ التقديرُ‏:‏ وأرسلنا إِلى ثمودَ و‏{‏أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض‏}‏‏:‏ أي‏:‏ اخترعكم، وأوْجَدكم، وذلك باختراع آدم عليه‏.‏

وقال * ص *‏:‏ ‏{‏مِّنَ الأرض‏}‏‏:‏ لابتداءِ الغاية باعتبار الأصلِ المتولَّدِ منه النباتُ المتولَّدُ منه الغذاءُ المتولَّدُ منه المَنِيُّ ودَمُ الطَّمْثِ المتولَّدُ عنه الإِنسان‏.‏ انتهى‏.‏

وقد نقل * ع *‏:‏ في غير هذا الموضع نَحْوَ هذا، ثم أشار إِلى مرجوحيَّته، وأَنَّه داعٍ إِلى القول بالتولُّد، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه»‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واستعمركم فِيهَا‏}‏‏:‏ أي‏:‏ خَلَقَكم لعمارتها، ولا يصحُّ أنْ يقال‏:‏ هو طَلَبٌ من اللَّه لعمارتها؛ كما زعم بعضُ الشَّافعيَّة‏.‏

* ت *‏:‏ والمفهومُ من الآية أنَّها سيقَتْ مساق الامتنان عليهم‏.‏ انتهى‏.‏ وقولهم‏:‏ ‏{‏ياصالح قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا‏}‏، قال جمهور المفسِّرين‏:‏ معناه‏:‏ مسوَّداً نؤمِّل فيك أنْ تكون سيِّداً سادًّا مسدَّ الأكابِرِ، وقولهم‏:‏ ‏{‏وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ‏}‏، معنى‏:‏ ‏{‏مُرِيبٍ‏}‏‏:‏ مُلْبِس متهم، وقوله‏:‏ ‏{‏أَرَءَيْتُمْ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ أتدبرتم، فالرؤية قلبيَّةٌ، و‏{‏آتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً‏}‏، يريد‏:‏ النبوَّة وما انضاف إِليها‏.‏

وقال * ص *‏:‏ قد تقرَّر في ‏{‏أَرَءَيْتُمْ‏}‏؛ أنها بمعنى أخبروني‏.‏ انتهى‏.‏

وال ‏{‏تَخْسِيرٍ‏}‏ هو من الخسَارَةِ، وليس التخْسِيرُ في هذه الآية إِلا لهم، وفي حَيِّزِهم، وهذا كما تقولُ لمن تُوصِيهِ‏:‏ أَنا أريدُ بكَ خَيْراً، وأَنْتَ تريدُ بي شَرًّا‏.‏

وقال * ص *‏:‏ ‏{‏غَيْرَ تَخْسِيرٍ‏}‏‏:‏ من خَسِرَ، وهو هنا للنسبيَّةِ ك «فَسَّقْتُهُ وَفَجَّرْتُهُ»؛ إِذا نسبتَهُ إِليهما‏.‏

* ت *‏:‏ ونقل الثعلبيّ عن الحسيْنِ بْنِ الفَضْل، قال‏:‏ لم يكُنْ صَالِحٌ في خسارةٍ، حين قال‏:‏ ‏{‏فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ‏}‏، وإِنما المعنى‏:‏ ما تزيدُونَني بما تقولُونَ إِلاَّ نسبتي إِياكم للخَسَارة، وهو مِنْ قول العرب‏:‏ فَسَّقْتُهُ وَفَجَّرْتُهُ؛ إِذا نسبته إِلى الفسوق والْفُجور‏.‏ انتهى‏.‏ وهو حسنٌ‏.‏ وباقي الآية بيِّن قد تقدَّم الكلامُ في قصصها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏67- 74‏]‏

‏{‏وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ‏(‏67‏)‏ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ ‏(‏68‏)‏ وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ‏(‏69‏)‏ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ‏(‏70‏)‏ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ‏(‏71‏)‏ قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ‏(‏72‏)‏ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ‏(‏73‏)‏ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ‏(‏74‏)‏‏}‏

‏{‏وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة‏}‏‏:‏ قال أبو البقاء‏:‏ في حَذْف التاءِ من «أخذ» ثلاثةُ أَوْجُهٍ‏:‏

أحدها‏:‏ أنه فَصَلَ بين الفعل والفاعل‏.‏

والثاني‏:‏ أن التأنيثَ غير حقيقيٍّ‏.‏

والثالث‏:‏ أن الصيْحَة بمعنى الصِّيَاحِ، فحُمِلَ على المعنى، انتهى‏.‏

وقد أشار * ع *‏:‏ إِلى الثلاثَة، واختار الأخير‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إبراهيم بالبشرى‏}‏‏:‏ الرسُلُ‏:‏ الملائكة، قال المَهْدوِيُّ‏:‏ ‏{‏بالبشرى‏}‏ يعني‏:‏ بالولدِ، وقيل‏:‏ البُشْرَى بهلاك قومِ لوطٍ انتهى‏.‏

‏{‏قَالُواْ سَلاَماً‏}‏‏:‏ أي‏:‏ سلَّمنا عليك سلاماً، وقرأ حمزة والكسائي‏:‏ «قَالُوا سَلاَماً قالَ سِلْمٌ»، فيحتمل أنْ يريد ب «السِّلْمِ» السلامَ، ويحتمل أن يريد ب «السِّلْم» ضدَّ الحرب، و‏{‏حَنِيذٍ‏}‏‏:‏ بمعنى‏:‏ محنوذ، ومعناه‏:‏ بعجْلٍ مشويٍّ نَضِجٍ، يقْطُر ماؤه، وهذا القَطْر يفصلُ الحَنيذَ من جملة المشويَّات، وهيئة المحنُوذِ في اللغة‏:‏ الذي يُغَطَّى بحجارةٍ أو رَمْلٍ مُحَمًّى أو حائل بينه وبيْن النَّار يغطى به، والمُعَرَّض‏:‏ من الشِّواء الذي يُصَفَّف على الجَمْر، والمُضَهَّبِ‏:‏ الشِّوَاءُ الذي بينه وبين النَّار حائلٌ، ويكون الشِّواء عليه، لا مَدْفُوناً به، والتَّحُنِيذُ في تضمير الخَيْل‏:‏ هو أنْ يغطَّى الفَرَس بِجِلٍّ على جُلٍّ؛ ليتصبَّب عَرَقُه، و‏{‏نَكِرَهُمْ‏}‏ على ما ذكر كثيرٌ من النَّاس، معناه‏:‏ أَنْكَرهم ‏{‏وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً‏}‏؛ من أجْل امتناعهم من الأكل؛ إِذ عُرْفُ مَنْ جاء بِشَرٍّ أَلاَّ يأْكل طعامَ المنْزُولِ به، قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه»‏:‏ ذهب الليثُ بْنُ سَعْدٍ إِلى أَنَّ الضِّيَافَةَ واجِبَةٌ، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ وَاليَوْمِ الآخَرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، ومَا وَرَاءَ ذَلِكَ صَدَقَةٌ ‏"‏، وفي رواية‏:‏ ‏"‏ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يثوي عنْدَهُ حتَّى يُحْرِجَهُ ‏"‏ وهذا حديثٌ صحيحٌ، خرَّجه الأئمةِ، واللفظ للترمذيِّ، وذهب علماء الفقْه إِلى‏:‏ أن الضيافة لا تجبُ، وحملوا الحديثَ على النَّدْب‏.‏

قال ابنُ العربيِّ‏:‏ والذي أقولُ به أن الضيافَةَ فَرْضٌ على الكفَايَةِ، ومِنَ الناسِ مَنْ قال‏:‏ إِنها واجبةٌ في القُرَى حيثُ لا مَأْوَى ولا طَعَام؛ بخلاف الحواضِرِ؛ لتيسُّر ذلك فيها‏.‏

قال ابنُ العربيِّ‏:‏ ولا شكَّ أن الضيْفَ كريمٌ، والضِّيافة كرامَةٌ، فإِن كان عديماً، فهي فريضةٌ انتهى، و‏{‏أَوْجَسَ‏}‏ معناه‏:‏ أحس والوجيسُ‏:‏ ما يعتري النفْسَ عنْد الحَذَرِ، وأوائلِ الفَزَعِ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَضَحِكَتْ‏}‏ قال الجمهور‏:‏ هو الضَّحِكُ المعروفُ، وذكر الطبري أن إِبراهيم عليه السلام لَمَّا قَدَّم العجْل، قالوا له‏:‏ إِنَّا لا نأكل طعاماً إِلاَّ بثمنٍ، فقال لهم‏:‏ ثمنُهُ‏:‏ أنْ تذْكُروا اللَّه تعالَى عليه في أَوَّله، وتَحْمَدوه في آخره، فقال جبريلُ لأصحابه‏:‏ بحَقٍّ اتخذ اللَّهُ هَذَا خَلِيلاً، ثم بَشَّر الملائكةُ سَارَّة بإِسحاق، وبأَنَّ إِسحاقَ سَيَلِدُ يعقُوبَ، ويسمَّى ولَدُ الوَلَد وراء، وهو قريبٌ من معنى «وراء» في الظرف، إِذ هو ما يكونُ خَلْف الشيء وبَعْده‏.‏

وقال * ص *‏:‏ «وراء»؛ هنا‏:‏ استعمل غَيْرَ ظرفٍ، لدخولِ «مِنْ» عليه، أي‏:‏ ومِنْ بَعْدِ إِسحاق‏.‏ انتهى‏.‏

وقولها‏:‏ ‏{‏ياويلتي‏}‏‏:‏ الألفُ بَدَلٌ من ياء الإِضافة، أصلها‏:‏ يَا وَيْلَتِي، ومعنى‏:‏ «يَا وَيْلَتَا» في هذا الموضع‏:‏ العبارةُ عَمَّا دَهَمَ النَّفْسَ من العَجَبِ في ولادةِ عَجُوزٍ، و‏{‏مِنْ أَمْرِ الله‏}‏‏:‏ واحدُ الأمور‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏رَحْمَتُ الله وبركاته عَلَيْكُمْ أَهْلَ البيت‏}‏‏:‏ يحتمل أنْ يكون دعاءً، وأنْ يكون خبراً‏.‏

* ص *‏:‏ ونصبُ ‏{‏أَهْلَ البيت‏}‏ على النداءِ أو على الاختصاص، أو على المَدْحِ، انتهى‏.‏ وهذه الآية تعطي أَنَّ زوجة الرجل مِنْ أَهْلِ بيتِهِ‏.‏

* ت *‏:‏ وهي هُنَا منْ أهْل البيت على كلِّ حال، لأنها من قرابَتِهِ، وابنة عَمِّه، و«الْبَيْتُ»، في هذه الآية، وفي «سورة الأحزاب» بيتُ السكْنَى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبراهيم الروع وَجَاءَتْهُ البشرى يجادلنا‏}‏‏:‏ أي‏:‏ أخذ يُجادِلُنا «في قومِ لوطٍ»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏75- 76‏]‏

‏{‏إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ‏(‏75‏)‏ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ‏(‏76‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ إبراهيم لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ‏}‏ وُصِفَ عليه السلام بالحِلْمِ، لأنه لم يغضَبْ قطُّ لنفسه إِلاَّ أَنْ يغضب للَّه، وأمْرُهُ بالإِعراض عن المُجَادلة يقتضي أنها إِنَّما كانَتْ في الكَفَرَةِ، حرصاً على إِسلامهم، و‏{‏أَمْرُ رَبِّكَ‏}‏ واحدُ الأمور، أي‏:‏ نفذ فيهم قضاؤُهُ سبحانه، وهذه الآية مقتضيةٌ أنَّ الدعاء إِنما هو أنْ يوفِّق اللَّه الداعِيَ إِلى طَلَب المَقْدور، فأما الدُّعاء في طَلَبِ غير المقدورِ، فغير مُجْدٍ ولا نافع‏.‏

* ت *‏:‏ والكلام في هذه المسألة متَّسعٌ رَحْبٌ، ومن أحسن ما قيل فيها قولُ الغَزَّالِيِّ في «الإِحياء»‏:‏ فإِنْ قلْتَ‏:‏ فما فائدةُ الدُّعاءِ، والقَضَاءُ لا يُرَدُّ‏؟‏ فالجوابُ‏:‏ أَنَّ من القضاءِ رَدَّ البلاءِ بالدعاءِ، فالدعاءُ سَبَبٌ لردِّ البلاء، واستجلاب الرحمة؛ كما أن التُّرْسَ سبَبٌ لردِّ السهم، والماء سبَبٌ لخروجِ النباتِ، انتهى‏.‏ وقد أطال في المسألة، ولولا الإِطالة لأَتَيْتُ بِنُبَذٍ يثلج لها الصِدْرُ، وخرَّجَ الترمذيُّ في «جامعه» عن أبي خزامة، واسمه رِفَاعَةُ، عن أبيه، قال‏:‏ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ رقًّى نَسْتَرْقِيهَا، وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ، وتُقَاةً نَتَّقِيهَا، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّه شَيْئاً‏؟‏ قَالَ‏:‏ «هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ»، قال أبو عيسَى‏:‏ هذا حديثٌ حسن، وفي بعض نُسَخِهِ‏:‏ حسنٌ صحيحٌ، انتهى‏.‏ فليس وراء هذا الكلام من السيِّد المعصوم مرمًى لأَحدٍ، وتأمَّل جواب الفارُوق لأبِي عُبَيْدة، حِينَ هَمَّ بالرجوعِ مِنْ أجْلِ الدخول علَى أرْضٍ بها الطاعُونُ، وهي الشام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏77- 83‏]‏

‏{‏وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ‏(‏77‏)‏ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ‏(‏78‏)‏ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ‏(‏79‏)‏ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ‏(‏80‏)‏ قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ‏(‏81‏)‏ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ ‏(‏82‏)‏ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ‏(‏83‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً‏}‏‏:‏ الرسُل هنا‏:‏ الملائكة أضيافُ إِبراهيم‏.‏

قال المهدويُّ‏:‏ والرسُلُ هنا‏:‏ جبريلُ وميكائيلُ وإِسرافيلُ، ذكره جماعة من المفسِّرين‏.‏ انتهى، واللَّه أعلم بتعيينهم، فإِن صحَّ في ذلك حديثٌ، صِيَر إِليه، وإِلا فالواجبُ الوقْفُ، و‏{‏سِيءَ بِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ أصابهُ سُوءٌ، و«الذَّرْع»‏:‏ مصدرٌ مأخوذٌ من الذِّراع، ولما كان الذراعُ موضعَ قُوَّةِ الإِنسان، قيل في الأمر الذي لا طَاقَةَ له به‏:‏ ضَاقَ بِهَذَا الأمْرِ ذِرَاعُ فُلاَنٍ، وذَرْعُ فلانٍ، أيْ‏:‏ حيلته بذراعِهِ، وتوسَّعوا في هذا حتَّى قلبوه، فقالوا‏:‏ فلانٌ رَحْبُ الذِّرَاع، إِذا وصَفُوه باتساع القدرةِ، و‏{‏عَصِيبٌ‏}‏‏:‏ بناء اسمِ فاعلٍ، معناه‏:‏ يعصب النَّاسَ بالشرِّ، فهو من العِصَابة، ثم كَثُر وصفهم لليَوْمِ بعصيبٍ؛ ومنه‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ *** وَقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ

وبالجملة ف «عصيب»‏:‏ في موضع شديدٍ وصعبِ الوطأة، و‏{‏يُهْرَعُونَ‏}‏ معناه‏:‏ يُسْرِعون، ‏{‏وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات‏}‏‏:‏ أيْ‏:‏ كَانت عادتهم إِتيان الفاحشة في الرجال‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ‏}‏‏:‏ يعني‏:‏ بالتزويجِ، وقولهم‏:‏ ‏{‏وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ‏}‏‏:‏ إِشارة إِلى الأضيافِ، فلما رأَى لوطٌ استمرارهم في غَيِّهم، قال‏:‏ على جهة التفجُّع والاستكانة‏:‏ ‏{‏لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً‏}‏‏.‏

قال * ع *‏:‏ «لَوْ أنَّ»‏:‏ جوابها محذوفٌ، أي‏:‏ لَفَعَلْتُ كذا وكذا، ويروَى أنَّ الملائكةَ وَجَدَتْ عليه؛ حين قال هذه الكلماتِ، وقالوا‏:‏ إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطاً لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ فَالْعَجَبُ مِنْهُ لما استكان ‏"‏‏.‏ قال * ع *‏:‏ وإِنما خشي لوطٌ عليه السلام أنْ يمهل اللَّهُ أولئك العِصَابَةَ حتى يَعْصُوهُ في الأضيافِ، كما أمهلهم فيما قَبْلَ ذلك، ثم إِن جبريل عليه السلام ضَرَبَ القوم بجَنَاحِهِ، فطمس أعينهم، ثم أمروا لوطاً بالسُّرَى، وأعلموه بأنَّ العذاب نازلٌ بالقوم، فقال لهم لوطٌ‏:‏ فَعَذِّبوهم السَّاعة، فقالوا له‏:‏ ‏{‏إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح‏}‏، أي‏:‏ بهذا أمَرَ اللَّه، ثم آنسُوه في قَلَقِهِ بقولهم‏:‏ ‏{‏أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ‏}‏، و«القِطْع»‏:‏ القطعة من الليل‏.‏

قال * ص *‏:‏ ‏{‏إِلاَّ امرأتك‏}‏‏:‏ ابن كثيرٍ وأبو عمرٍو بالرفع، والباقون بالنَّصْبِ، فقيل‏:‏ كلاهما استثناءٌ من ‏{‏أَحَدٌ‏}‏، وقيل‏:‏ النصب على الاستثناء من ‏{‏أَهْلِكَ‏}‏ انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ‏}‏ ذهبت فرقةٌ، منهم ابن عباس إِلى أَن الحجارة التي رُمُوا بها كَانَتْ كالآجُرِّ المطبوخِ، كانَتْ من طينٍ قد تحجَّر، وأَن سِجِّيلاً معناها‏:‏ ماءٌ وطينٌ، وهذا القول هو الذي عليه الجمهورُ، وقالت فرقة‏:‏ «من سِجِّيلٍ»‏:‏ معناه‏:‏ مِنْ جهنَّم؛ لأنه يقالُ‏:‏ سِجّيل وسِجِّين، حَفِظَ فيها بَدَلَ النُّون لاماً، وقيل غير هذا و‏{‏مَّنضُودٍ‏}‏‏:‏ معناهُ‏:‏ بعضه فوق بعض، متتابع، و‏{‏مُّسَوَّمَةً‏}‏‏:‏ أي‏:‏ مُعْلَمةٌ بعلامة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا هِيَ‏}‏‏:‏ إِشارةٌ إِلى الحِجَارة، والظالمون‏:‏ قيل‏:‏ يعني قريشاً، وقيل‏:‏ يريد عمومَ كلِّ مَن اتصف بالظُّلْمِ، وهذا هو الأصَحُّ، وقيل‏:‏ يعني بهذا الإِعلامَ بأَنَّ هذه البلادَ قريبةٌ من مكَّة، وما تقدَّم أَبْيَن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏84- 85‏]‏

‏{‏وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ‏(‏84‏)‏ وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ‏(‏85‏)‏‏}‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُم مِّنْ إله غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ المكيال والميزان إِنِّي أَرَاكُم بِخَيْرٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏بِخَيْرٍ‏}‏‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ معناه‏:‏ في رُخْصٍ من الأسعار، وقيل‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏بِخَيْرٍ‏}‏‏:‏ عامٌّ في جميع نِعَمِ اللَّه تعالَى، و‏{‏تَعْثَوْاْ‏}‏‏:‏ معناهُ تَسْعُوْنَ في فسادٍ، يقال‏:‏ عَثَا يَعْثُو، وَعَثَى يَعْثِي؛ إِذا فسد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏86- 94‏]‏

‏{‏بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ‏(‏86‏)‏ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ‏(‏87‏)‏ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ‏(‏88‏)‏ وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ ‏(‏89‏)‏ وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ‏(‏90‏)‏ قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ‏(‏91‏)‏ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ‏(‏92‏)‏ وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ‏(‏93‏)‏ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ‏(‏94‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بَقِيَّتُ الله خَيْرٌ لَّكُمْ‏}‏‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ معناه‏:‏ الذي يُبْقِي اللَّه لكُمْ من أموالكم بَعْد توفيتكم الكَيْلَ والوَزْن خيرٌ لكم مما تستكثرونَ به على غير وجْهه، وهذا تفسيرٌ يليق بلفظ الآية، وقال مجاهد‏:‏ معناه‏:‏ طاعةُ اللَّه، وهذا لا يعطيه لفْظُ الآية‏.‏

قال * ص *‏:‏ وقرأ الحسنُ‏:‏ «تَقِيَّةُ اللَّهِ»، أي‏:‏ تقواه‏.‏

قال * ع *‏:‏ وإِنما المعنى عندي‏:‏ إِبقاءُ اللَّه علَيْكُم إِنْ أطعتم، وقولهم‏:‏ ‏{‏أصلواتك تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَآ‏}‏‏:‏ قالت فرقة‏:‏ أرادوا الصلواتِ المعروفةَ، وروي أن شعيباً عليه السلام كان أكْثَرَ الأنبياءِ صلاةً، وقال الحسنُ‏:‏ لم يَبْعَث اللَّهُ نبيًّا إِلا فرض عَلَيْه الصَّلاة والزَّكَاة، وقيل‏:‏ أرادوا‏:‏ أدعواتُكَ، وذلك أنَّ من حَصَّل في رتبةٍ مِنْ خيرٍ أَو شَرٍّ، ففي الأكثر تَدْعُوه رتبته إِلى التزيُّد من ذلك النوْعِ، فمعنى هذا‏:‏ لما كنْتَ مصلِّياً، تجاوزْتَ إِلى ذمِّ شرعنا وحالِنا، فكأن حاله من الصلاة جَسَّرته علَى ذلك، فقيل‏:‏ أَمَرَتْه؛ كما قال تعالَى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 45‏]‏‏.‏

قال * ص *‏:‏ ‏{‏أَوْ أَن نَّفْعَلَ‏}‏‏:‏ معطوفٌ على ‏{‏مَا يَعْبُدُ‏}‏، و«أو» للتنويعِ، انتهى‏.‏ وظاهر حالِهِمُ الذي أشاروا إِليه هو بَخْسُ الكيل والوَزْنِ الذي تقدَّم ذكره، وروي أن الإِشارة إِلى قَرْضِهِمْ الدِّينار والدِّرْهم، وإِجراء ذلك مع الصَّحِيح على جهة التدْلِيسِ؛ قاله محمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، وتؤوَّل أيضاً بمعنى تبديلِ السِّكَك التي قصد بها أكْلُ أموالِ الناس، قال ابنُ العربيِّ‏:‏ قال ابن المسيَّب‏:‏ قطع الدنانير والدَّرَاهم مِنَ الفَسَاد في الأرْضِ؛ وكذلك قال زيد بن أسْلَمَ في هذه الآية، وفَسَّرها به، ومثله عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ من رواية مالكٍ، قال ابنُ العَرَبِيِّ‏:‏ وإِذا كان قَطْعُ الدنانير والدَّراهمِ وقَرْضُها من الفسَادِ، عُوقِبَ مَنْ فَعَلَ ذلك، وقَرْضُ الدراهم غَيْرُ كَسْرها؛ فإِن الكسر‏:‏ فسادُ الوصفُ، والقَرْض‏:‏ تنقيصٌ للقَدْر، وهو أَشَدُّ من كَسْرها، فهو كالسرقة‏.‏ انتهى من «الأحكام» مختصراً، وبعضه بالمعنَى، وقولهم‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد‏}‏‏:‏ قيل‏:‏ إِنهم قالوه؛ على جهة الحقيقة، أي‏:‏ أنت حليم رشيدٌ، فلا ينبغي لك أنْ تَنْهَانا عن هذه الأحوالِ، وقيل‏:‏ إِنما قالوا هذا؛ على جهة الاستهزاء‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا‏}‏‏:‏ أي‏:‏ سالماً من الفَسَادِ الذي أدْخَلْتُم في أمْوالكم، وجوابُ الشَّرْط الذي في قوله‏:‏ ‏{‏إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي‏}‏ محذوفٌ، تقديره‏:‏ أَأَضِلُّ كما ضَلَلْتُمْ، أو أتركُ تبليغَ رِسَالَةِ ربِّي، ونحو هذا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ لا يُكْسِبَنَّكُمْ، و‏{‏شِقَاقِي‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ مُشَاقتي، وَعَدَاوَتِي و«أَنْ»‏:‏ مفعولةٌ ب ‏{‏يَجْرِمَنَّكُمْ‏}‏‏.‏

قال * ص، وع *‏:‏ ‏{‏وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ بزمانٍ بعيدٍ، أو بمكانٍ‏.‏

قال * ص *‏:‏ ‏{‏وَدُودٌ‏}‏ بناءُ مبالغةٍ مِنْ وَدَّ الشَّيْءَ، إِذا أَحَبَّه، وآثره‏.‏

* ع *‏:‏ ومعناه‏:‏ أن أفعاله سُبْحَانَهُ وَلُطْفه بعباده لَمَّا كَانَتْ في غاية الإِحْسَان إِليهمْ، كانَتْ كَفِعْلِ مَنْ يتودَّد وَيَوَدُّ المصنوعَ له، وقولُهم‏:‏ ‏{‏مَا نَفْقَهُ‏}‏‏:‏ كقولِ قريشٍ‏:‏ ‏{‏قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 5‏]‏، والظاهر من قولهم‏:‏ ‏{‏إِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا‏}‏‏:‏ أنهم أرادوا ضَعْفَ الانتصار والقُدْرة، وأنَّ رهطه الكَفَرة يُرَاعَوْنَ فيه، والرَّهْط‏:‏ جماعةُ الرجُلِ، وقولهم‏:‏ ‏{‏لرجمناك‏}‏ أي‏:‏ بالحجارة؛ قاله ابن زَيْد، وقيل‏:‏ بالسَّبِّ باللسان، وقولهم‏:‏ ‏{‏بِعَزِيزٍ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ بذي منعةٍ وعزةٍ، ومنزلةٍ، و«الظِّهْرِيُّ»‏:‏ الشيءُ الذي يكونُ وراءَ الظهر، وذلك يكون في الكَلاَم على وجهين‏:‏ إِما بمعنى الاطراح؛ كما تقولُ‏:‏ جَعَلْتَ كلامِي وَرَاءَ ظَهْرِكَ، ودَبْرَ أُذْنِكَ، وعلى هذا المعنَى حمل الجمهورُ الآية، أي‏:‏ اتخذتم أمْرَ اللَّه وشَرْعَه وراء ظُهُوركم، أي‏:‏ غَيْرَ مراعًى، وإِما بأَنْ يستند إِليه ويلجأ؛ كما قال عليه السلام‏:‏ «وألجأتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ»؛ وعلى هذا المعنَى حمل الآية قَوْمٌ‏:‏ أي‏:‏ وأنتم تتَّخذون اللَّه سَنَدَ ظُهُورِكُمْ وعِمَادَ آمالكم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏اعملوا على مَكَانَتِكُمْ‏}‏ معناه‏:‏ على حالاتكم، وفيه تهديدٌ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وارتقبوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ‏}‏‏:‏ والصحيحُ‏:‏ أَن الوقْفَ في قوله‏:‏ ‏{‏إِنِّي عامل‏}‏‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ الصيحة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ ‏{‏الصيحة‏}‏‏:‏ هي صَيْحَة جبريل عليه السلام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏95- 99‏]‏

‏{‏كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ‏(‏95‏)‏ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ‏(‏96‏)‏ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ‏(‏97‏)‏ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ‏(‏98‏)‏ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ‏(‏99‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ ‏{‏يَغْنَواْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ يقيمون بِنَعْمَةٍ وخَفْضِ عيشٍ؛ ومنه المَغَانِي، وهي المنازلُ المعمورةِ بالأهْل، وضمير «فيها» عائد على الديار‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بُعْدًا‏}‏‏:‏ مصدرٌ دعا به؛ كقولك‏:‏ سُحْقاً للكافرين، وفارَقَتْ هذه قولَهُمْ‏:‏ ‏{‏سلام عَلَيْكُمُ‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 32‏]‏؛ لأن ‏{‏بُعْدًا‏}‏ إِخبارٌ عن شيء قد وَجَب وتحصَّل، وتلك إِنما هي دعاء مرتجى، ومعنى البُعْد في قراءة‏:‏ «بَعِدَتْ»- بكسر العين-‏:‏ الهلاكُ، وهي قراءة الجمهور؛ ومنه قول خِرْنِقَ بِنْتِ هَفَّانَ‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

لاَ يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ *** سُمُّ الْعُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِ

ومنه قولُ مالكِ بْنِ الرَّبيعِ‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

يَقُولُونَ لاَ تَبْعَدْ وَهُمْ يَدْفِنُوننِي *** وَأَيْنَ مَكَانُ الْبُعْدِ إِلاَّ مَكَانِيَا

وأما من قرأ‏:‏ «بَعُدَتْ»، وهو السُّلَمِيُّ وأبو حَيْوَةَ فهو من البُعْدِ الذي هو ضدُّ القُرْب، ولا يُدْعَى به إِلا على مبغوضٍ‏.‏

قال * ص *‏:‏ وقال ابْنُ الأنباريِّ‏:‏ من العرب مَنْ يُسَوِّي بين الهلاكِ والبُعْدِ الَّذي هو ضِدُّ القُرْب، فيقولون فيهما‏:‏ بَعُدَ يَبْعُدُ، وبَعِدَ يَبْعَدُ‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فاتبعوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ وخالفوا أمْرَ موسَى، ‏{‏وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ‏}‏، أي‏:‏ بمرشِدٍ إِلى خير‏.‏

وقال * ع *‏:‏ ‏{‏بِرَشِيدٍ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ بمصيب في مَذْهَبِهِ ‏{‏يَقْدُمُ قَوْمَهُ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ يقدمهم إِلى النار، وال ‏{‏الورد‏}‏، في هذه الآية‏:‏ هو ورودُ دُخُولٍ‏.‏

قال * ص *‏:‏ وال ‏{‏الورد‏}‏‏:‏ فاعلُ «بِئْسَ»، و‏{‏المورود‏}‏‏:‏ المخصُوصُ بالذَّمِّ، وفي الأول حذْف، أيْ‏:‏ مَكانُ الورْد، ليطابق المخصُوصَ بالذَّمِّ‏.‏

وجوَّز * ع *‏:‏ وأبو البقاءِ أنْ يكونُ «المَوْرُود» صفةً لمكان الوِرْدِ، والمخصوص محذوفٌ، أي‏:‏ بِئسٍ مكانُ الوِرْدِ المورودُ النارُ، و«الوِرْد»‏:‏ يجوز أنْ يكون مصْدراً بمعنى الوُرُود، أو بمعنى الوَارِدَة من الإِبل، وقيل‏:‏ الوِرْد‏:‏ بمعنى الجَمْعِ للوَارِدِ، والمَوْرُود‏:‏ صفةٌ لهم، والمخصُوصُ بالذمِّ ضميرٌ محذوف، أي‏:‏ بئس القوم المَوْرُود بهم هُمْ، انتهى‏.‏

‏{‏وَأُتْبِعُواْ فِي هذه لَعْنَةً‏}‏‏:‏ يريد‏:‏ دارَ الدنيا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بِئْسَ الرفد المرفود‏}‏ أي‏:‏ بِئسَ العطاءُ المعطَى لهم، وهو العذابُ، والرِّفْدُ في كلام العرب‏:‏ العطيَّة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏100- 106‏]‏

‏{‏ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ ‏(‏100‏)‏ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ‏(‏101‏)‏ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ‏(‏102‏)‏ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ‏(‏103‏)‏ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ‏(‏104‏)‏ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ‏(‏105‏)‏ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ‏(‏106‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ذلك مِنْ أَنْبَاءِ القرى‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية ‏{‏ذلك‏}‏‏:‏ إِشارة إِلى ما تقدَّم من ذكْر العُقُوبات النَّازلة بالأُمَمِ المذكُورة، ‏{‏مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ منها قائمُ الجُدُرَاتِ، ومتهدِّمٌ دائر، والآيةَ بجملتها متضمِّنة التخويفَ وضَرْبَ المثلِ للحاضرين مِنْ أَهْل مكَّة وغيرهم، وال ‏{‏تَتْبِيبٍ‏}‏‏:‏ الخُسْرَانُ؛ ومنه‏:‏ ‏{‏تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ‏}‏ ‏[‏المسد‏:‏ 1‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وكذلك‏}‏‏:‏ الإِشارةُ إِلى ما ذكر من الأخذات في الأمَم، وهذه اية وعيدٍ يعمُّ قرى المُؤمنين والكافرينَ، فإِنَّ «ظالمة»‏:‏ أعمُّ من «كافرة»، وقد يمهل اللَّه تعالَى بعْضَ الكَفَرَة، وأما الظَّلَمَةُ، فمعاجَلُون في الغَالِبِ، وقد يُمْلي لَبَعْضِهِمْ، وفي الحديث، من رواية أبي موسَى؛ أن رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ «إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمَ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ، لَمْ يُفْلِتْه»، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظالمة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، وهذه قراءة الجماعة، وهي تعطي بقاءَ الوَعِيدِ، واستمراره في الزمان؛ ‏{‏إِنَّ فِي ذلك لأَيَةً‏}‏‏:‏ أي‏:‏ لعبرةً وعلامةَ اهتداءٍ، ‏{‏لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الأخرة‏}‏، ثم عَظَّمَ اللَّه أمْرَ الآخرة، فقالَ‏:‏ ‏{‏ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس‏}‏، وهو يومُ الحَشْر، ‏{‏وذلك يَوْمٌ مَّشْهُودٌ‏}‏ يَشْهَدُهُ الأوَّلون والآخِرُون؛ من الملائِكَةِ، والإِنس، والجنِّ والحيوانِ؛ في قول الجمهور، ‏{‏وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ‏}‏ لا يتقدَّم عنه ولا يتأخَّر‏.‏

قال * ص *‏:‏ والظاهر أنَّ ضمير فاعل‏:‏ «يأت»‏:‏ يعودُ على ما عاد عَلَيْه ضَميرُ «نُؤَخِّره»، والناصبُ ل «يَوْم» «لا تَكَلَّمُ»، والمعنى‏:‏ لا تكَلَّمُ نَفْسٌ يوم يأتي ذلك اليَوْمُ إِلا بإِذنه سبحانه‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمِنْهُمْ‏}‏‏:‏ عائدٌ على الجمعِ الذي يتضمَّنه قوله‏:‏ ‏{‏نَفْسٌ‏}‏، إِذ هو اسمُ جِنْسٍ يراد به الجَمْعُ ‏{‏فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِي النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ‏}‏ وهي أصواتُ المكْروبين والمَحْزُونين والمعذَّبين، ونحو ذلك، قال قتادةُ‏:‏ الزَّفير‏:‏ أول صَوْتِ الحِمارِ، والشهيقُ‏:‏ آخره، فصياحُ أهْل النَّار كذلك، وقال أبو العالية‏:‏ «الزفير»‏:‏ من الصدر، و«الشهيق»‏:‏ من الحَلْق، والظاهر ما قال أبو العالية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏107- 112‏]‏

‏{‏خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ‏(‏107‏)‏ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ‏(‏108‏)‏ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آَبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ ‏(‏109‏)‏ وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ‏(‏110‏)‏ وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ‏(‏111‏)‏ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏112‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض‏}‏‏:‏ يُرْوَى عن ابن عباس‏:‏ أَنَّ اللَّه خلق السموات والأرْضَ مِنْ نُورِ العَرْشِ، ثم يردهما إِلى هناك في الآخرة، فلهما ثَمَّ بَقَاءٌ دائمٌ، وقيل‏:‏ معنى‏:‏ ‏{‏مَا دَامَتِ السموات والأرض‏}‏‏:‏ العبارة عن التأبيدِ بما تَعْهَدُهُ العرب، وذلك أنَّ من فصيح كلامِهَا، إِذا أرادَتْ أَن تخبر عَنْ تأبيد شيء أنْ تقول‏:‏ لاَ أَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا أَمَدَ الدهْرِ، وما نَاحَ الحَمَامُ، وما دامت السموات والأرْضُ، وقيل غير هذا‏.‏

قال * ص *‏:‏ وقيل‏:‏ المراد سموات الآخرةِ، وأَرْضها؛ يدلُّ عليه قوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 48‏]‏ انتهى‏.‏ وأما قوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ‏}‏‏:‏ في الاستثناء ثلاثةُ أقوالٍ‏:‏

أحدها‏:‏ أنه متَّصل، أي‏:‏ إِلا ما شاء ربُّكَ من إِخراج الموحِّدين؛ وعلَى هذا يكونُ قوله‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا الذين شَقُواْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ عاماً في الكَفَرَةِ والعُصَاةِ، ويكون الاستثناء من ‏{‏خالدين‏}‏، وهذا قولُ قتادة وجماعةٍ‏.‏

الثَّاني‏:‏ أنَّ هذا الاستثناء ليس بمتَّصل ولا منقطعٍ، وإِنما هو على طريق الاستثناء الذي نَدَبَ إِليه الشَّرْعُ في كلِّ كلام؛ فهو على نحو قوله‏:‏ ‏{‏لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَاءَ الله‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 27‏]‏‏}‏‏.‏

الثالث‏:‏ أَنَّ «إِلا» في هذه الآية بمعنى «سوى»، والاستثناء منقطعٌ، وهذا قول الفَرَّاء، فإِنه يقدِّر الاستثناء المنقطع ب «سِوَى» وسيبَوَيْهِ يقدِّره ب «لكن»، أيْ‏:‏ سوَى ما شاء اللَّه زائداً على ذلك؛ ويؤيِّد هذا التأويلَ قوله بَعْدُ‏:‏ ‏{‏عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ‏}‏، وقيل‏:‏ سِوَى ما أعد اللَّه لهم من أنواعِ العَذَاب، وأشدُّ من ذلك كلِّه سَخَطُهُ سبحانه عليهم، وقيل‏:‏ الاستثناء في الآيتين من الكَوْنِ في النار والجنَّة، وهو زمانُ المَوْقِفِ، وقيل‏:‏ الاستثناء؛ في الآية الأولى‏:‏ من طُول المُدَّة، وذلك على ما روي أَنَّ جهنم تَخْرَبُ، ويُعْدَمُ أهلُها، وتخفقْ أبوابُهَا، فهم على هذا يَخْلُدون حتَّى يصير أمرهم إِلى هذا‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهذا قولٌ محتملٌ، والذي رُوِيَ ونُقِل عن ابن مسعود وغيرهِ أنَّ ما يخلى من النَّار إِنما هو الدَّرْكُ الأَعلى المختصُّ بعصاة المؤمنين، وهذا الذي يسمَّى جَهَنَّمَ، وسُمِّي الكلُّ به تجوُّزاً‏.‏

* ت *‏:‏ وهذا هو الصوابُ- إِن شاء اللَّه- وهو تأويل صاحب «العاقبة»؛ أنَّ الذي يَخْرَبُ ما يَخُصُّ عصاةَ المُؤْمِنِين، وتقدَّم الكلام على نظير هذه الآية، وهو قوله في «الأنعام»‏:‏ ‏{‏خالدين فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ الله إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 128‏]‏‏}‏‏.‏

قال * ع *‏:‏ والأقوال المترتِّبة في الاستثناء الأوَّلِ مرتبةٌ في الاستثناء الثاني في الذين سعدوا إِلاَّ تأويلَ مَنْ قال‏:‏ هو استثناء المدة التي تخرَبُ فيها جهنَّم؛ فإِنه لا يترتَّب هنا، وال ‏{‏مَجْذُوذٍ‏}‏‏:‏ المقْطُوع، والإِشارة بقوله‏:‏ ‏{‏مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ‏}‏ إِلى كفَّار العرب، ‏{‏وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ‏}‏ معناه‏:‏ من العقوبةِ، وقال الداوديُّ عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ‏}‏‏:‏ قال‏:‏ ما قُدِّر لهم من خَيْرٍ وشرٍّ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب فاختلف فِيهِ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ اختلف الناسُ عَلَيْه، فلا يَعْظُم عليك، يا محمَّد، أمْرُ مَنْ كذَّبك‏.‏

وقال * ص *‏:‏ «فيه»‏:‏ الظاهرُ عودُهُ على الكتاب، ويجوزُ أنْ يعود على موسَى، وقيل‏:‏ «في» بمعنى «على»، أي‏:‏ عليه، انتهى‏.‏

وال ‏{‏كَلِمَةٌ‏}‏؛ هنا عبارةٌ عن الحُكْم والقضاء ‏{‏لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ لَفُصِلَ بين المُؤمن والكافر؛ بنعيم هذا وعذاب هذا، ووَصَفَ الشَّك بالريب؛ تقويةً لمعنى الشك، فهذه الآية يحتملُ أنْ يكونَ المراد بها أمة موسَى، ويحتمل أن يراد بها معاصرو النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأنْ يعمهم اللفظ أحْسَن، ويؤيِّده قوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ كُلاًّ‏}‏، وقرأ نافع وابن كثير‏:‏ «وإِنْ كُلاًّ لَمَا» وقرأ أبو عمرو، والكسائِيُّ بتشديد «إِنَّ»، وقرأ حمزة وحَفْص بتشديد «إِنَّ»، وتشديد «لَمَّا»، فالقراءتان المتقدِّمتان بمعنًى ف «إِنَّ» فيهما على بابها، و«كُلاًّ»، اسمها، وعُرْفُها أنْ تدخل على خبرها لامٌ، وفي الكلام قَسَمٌ تدخُلُ لامه أيضاً على خبر «إِنَّ»، فلما اجتمع لامَانِ، فُصِلَ بينهما ب «ما»؛ هذا قول أبي عليٍّ، والخبر في قوله‏:‏ ‏{‏لَيُوَفِّيَنَّهُمْ‏}‏، وهذه الآية وعيدٌ، ومعنى الآية‏:‏ أنَّ كل الخَلْقِ موفًّى في عَمَلَهُ‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فاستقم كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ‏}‏‏:‏ أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستقامة، وهو عليها إِنما هو أمر بالدَّوَام والثبوت، وهو أمر لسائر الأمَّة، وروي أنَّ بعض العلماء رأَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم في النوْمِ، فقال‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّه، بَلَغَنَا عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ‏:‏ «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا»، فَمَا الَّذِي شَيَّبَكَ مِنْ هُودٍ‏؟‏ فَقالَ لَهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ‏:‏ ‏{‏فاستقم كَمَا أُمِرْتَ‏}‏‏.‏

قال * ع *‏:‏ والتأويل المشهور في قوله عليه السلام‏:‏ «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا» أَنه إِشارة إِلى ما فيها مما حَلَّ بالأُممِ السالفةِ، فكأَنَّ حَذَرَهُ على هذه مِثْلَ ذلك شَيَّبه عليه السلام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏113- 115‏]‏

‏{‏وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ‏(‏113‏)‏ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ‏(‏114‏)‏ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏115‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الذين ظَلَمُواْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الرُّكُون‏:‏ السُّكون إِلى الشيْء، والرضا به، قال أبو العالية‏:‏ الركُونُ‏:‏ الرِّضَا‏.‏ قال ابنُ زَيْد‏:‏ الرُّكُون‏:‏ الادهان‏.‏

قال * ع *‏:‏ فالركون يقع على قليلِ هذا المعنَى وكثيرِهِ، والنهْيُ هنا يترتَّب من معنى الركُونِ على المَيْلِ إِلَيهم بالشِّرْك معهم إِلى أقلِّ الرُّتَبِ مِنْ ترك التَّغْيير عليهم مع القُدْرة، و‏{‏الذين ظَلَمُواْ‏}‏ هنا‏:‏ هم الكَفَرَة، ويدخُلُ بالمعنى أَهْلُ المعاصي‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ لا خلاف أنَّ ‏{‏الصلاة‏}‏ في هذه الآية يرادُ بها الصلواتُ المفروضةُ، واختلفَ في طرفَيِ النَّهار وزُلَفِ اللَّيْل، فقيل‏:‏ الطَّرَف الأوَّل‏:‏ الصُّبْح، والثَّاني‏:‏ الظُّهْر والعَصْر، والزُّلَف‏:‏ المغرب والعشاء؛ قاله مجاهد وغيره، ‏"‏ وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قَالَ فِي المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ‏:‏ «هُمَا زُلْفَتَا اللَّيْلِ» ‏"‏ وقيل‏:‏ الطَرَفُ الأوَّل‏:‏ الصبحُ، والثاني‏:‏ العصر؛ قاله الحسن وقتادة، والزُّلَف‏:‏ المغرب والعشاء، وليست الظهر في هذه الآية على هذا القول، بل هي في غيرها‏.‏

قال * ع *‏:‏ والأول أحسن الأقوالِ عِنْدِي، ورجَّح الطبريُّ القوْلَ بأن الطرفين الصُّبْح والمغرب، وهو قول ابن عبَّاس وغيره، وإِنه لظاهر، إِلا أن عموم الصلوات الخمْسِ بالآية أَولَى، والزّلَف‏:‏ الساعاتُ القريبُ بعضُها من بَعْضٍ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات‏}‏، ذهب جمهورُ المتأوِّلين من صَحَابَةٍ وتابعينَ إِلى أن الحسناتِ يرادُ بها الصَلواتُ الخَمْسُ، وإِلى هذه الآية ذهَبَ عثْمانُ رضي اللَّه عنه في وضوئه على المَقَاعِدِ، وهو تأويلُ مالك، وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏الحسنات‏}‏‏:‏ قول الرجُلِ‏:‏ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَلاَ إله إِلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهذا كلُّه إِنما هو على جهة المِثَالِ في الحسنات، ومِنْ أجل أنَّ الصلواتِ الخمْسَ هي معظَمُ الأعمال، والذي يظهر أنَّ لفظ الآية عامٌّ في الحسنات، خاصٌّ في السيئات؛ بقوله عليه السلام‏:‏ «مَا اجتنبت الكَبَائِرُ»، وروي أنَّ هذه الآية نزلَتْ في رجلٍ من الأنصار، وهو أبو اليُسْرِ بْنُ عَمْرو، وقيل‏:‏ اسمه عَبَّاد، خَلاَ بامرأةٍ، فقَبَّلها، وتلذَّذ بها فيما دُونَ الجِمَاع، ثم جاء إِلى عُمَر، فشكا إِليه، فقال له‏:‏ قَدْ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْكَ، فاستر عَلَى نَفْسِكَ، فَقَلِقَ الرجُلُ، فجاء أبا بَكْر، فشكا إِليه، فقال له مثْلَ مقالةِ عُمَرَ، فَقَلِقَ الرجُلُ، فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فَصَلَّى معه، ثم أخبره، وقال‏:‏ اقض فيَّ ما شِئْتَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لَعَلَّهَا زَوْجَةُ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏؟‏‏!‏» قَالَ‏:‏ نَعَمْ، فَوَبَّخَهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ‏:‏ «مَا أَدْرِي»، فنزلَتْ هذه الآية، فَدَعَاهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فَتَلاَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ‏:‏ أَهَذَا لَهُ خَاصَّةً‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ «بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً

»‏.‏

قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه»‏:‏ وهذا الحديثُ صحيحٌ، رواه الأئمةِ كلُّهم، انتهى‏.‏

قال * ع *‏:‏ ورُوِيَ‏:‏ أن الآية قدْ كَانَتْ نزلَتْ قبْلَ ذلك، واستعملها النبيُّ صلى الله عليه وسلم في ذلك الرَّجُل، وروي أنَّ عمر قال مَا حُكِيَ عن معاذٍ، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ‏:‏ ‏"‏ الجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَالصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهَا؛ إِنِ اجتنبت الكبائر ‏"‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ذلك ذكرى‏}‏‏:‏ إِشارة إِلى الصلوات، أي‏:‏ هي سببُ الذكْرَى، وهي العظَةُ، ويحتملُ أنْ تكونَ إِشارةً إِلى الإِخبار بأن الحسناتِ يُذْهِبْنَ السيئَاتِ‏.‏

ويحتملُ أنْ تكون إِشارةً إِلى جميعِ ما تقدَّم من الأوامر والنواهِي والقَصَص في هذه السُّورة، وهو تفسيرُ الطبريُّ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏116- 119‏]‏

‏{‏فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ‏(‏116‏)‏ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ‏(‏117‏)‏ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ‏(‏118‏)‏ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ‏(‏119‏)‏‏}‏

‏{‏فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القرون مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، ‏{‏لَوْلاَ‏}‏‏:‏ هي التي للتحضيض، لكن، يقترن بها هنا مَعْنَى التفجُّع والتأسُّف الذي ينبغي أنْ يقع من البَشَر عَلَى هذه الأُمَمِ التي لم تَهْتِدِ، وهذا نحو قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ياحسرة عَلَى العباد‏}‏ ‏[‏يس‏:‏ 30‏]‏، والقرون من قبلنا قومُ نوحٍ وعادٍ وثمود، ومَنْ تقدم ذكْرُهُ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ أولو بقيةٍ مِنْ عقْلٍ وتمييزٍ ودينٍ، ‏{‏يَنْهَوْنَ عَنِ الفساد‏}‏ وإِنما قيل‏:‏ ‏{‏بَقِيَّةٍ‏}‏؛ لأن الشرائِعَ والدوَل ونَحْوَها، قوَّتُها في أولها، ثم لا تزال تَضْعُفُ، فمن ثَبَتَ في وقْتِ الضعْفِ، فهو بقيَّة الصدْرِ الأول‏.‏

و ‏{‏الفساد فِي الأرض‏}‏‏:‏ هو الكُفْر وما اقترن به من المعاصي، وهذه الآيةُ فيها تنبيهٌ لهذه الأُمَّةِ وحضٌّ على تغيير المُنْكَر، ثم استثنى عزَّ وجلَّ القوم الذين نَجَّاهم معَ أنبيائهم، وهم قليلٌ بالإِضافة إِلى جماعاتهم، و‏{‏قَلِيلاً‏}‏ استثناء مُنْقطعٌ، أيْ‏:‏ لكن قليلاً ممن أنجينا منهم، نَهَوْا عن الفساد، و«المُتْرَف»‏:‏ المنعَّم الذي شغلَتْهُ تُرْفَتُهُ عن الحَقِّ حتى هلك؛ ‏{‏وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ‏}‏ منه سبحانه وتعالى عن ذلك، ‏{‏وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً‏}‏‏:‏ أي مؤمنة لا يَقَعُ منهم كُفْر؛ قاله قتادة، ولكنه عزَّ وجلَّ لم يشأْ ذلك، فهم لا يزالُونَ مختلفين في الأديان والآراءِ والمِلَلِ، هذا تأويل الجُمهورِ، ‏{‏إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ‏}‏، أي‏:‏ بأن هداه إِلى الإِيمان؛ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولذلك خَلَقَهُمْ‏}‏‏:‏ قَالَ الحَسَن‏:‏ أي‏:‏ ولِلاختلافِ خلقهم‏.‏

قال * ع *‏:‏ وذلك أن اللَّه تعالى خلق خَلْقاً للسعادة، وخَلْقاً للشقاوةِ، ثم يَسَّر كُلاًّ لما خلق له، وهذا نصٌّ في الحديث الصحيحِ، وجعل بَعْدُ ذلك الاختلاف في الدِّين على الحَقِّ هو أمارةَ الشقاوةِ، وبه علَّق العقابَ، فيصحُّ أَنْ يُحْمَلَ قولُ الحَسَن هنا‏:‏ وللاختلافِ خَلَقُهُمْ، أي‏:‏ لثمرة الاختلافِ، وما يكونُ عنه مِنْ شقاوةٍ أو سعادةٍ، وقال أشْهَبُ‏:‏ سألتُ مالكاً عن هذه الآية، فقال‏:‏ خَلَقَهُمْ؛ ليكونَ فريقٌ في الجنةِ، وفريقٌ في السعيرِ، وقيل غير هذا‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ‏}‏ أي‏:‏ نفذ قضاؤه، وحَقَّ أمره، واللام في ‏{‏لأَمْلأَنَّ‏}‏‏:‏ لام قسم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏120- 123‏]‏

‏{‏وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ‏(‏120‏)‏ وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ ‏(‏121‏)‏ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ‏(‏122‏)‏ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ‏(‏123‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرسل مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ‏}‏، و«كُلاًّ» مفعولٌ مقدَّم ب «نَقُصُّ»، و«ما» بدلٌ من قوله‏:‏ «وكُلاًّ»، و‏{‏نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ‏}‏ أي‏:‏ نؤنِّسك فيما تلْقَاه، ونجعل لك الإِسْوَة‏.‏

‏{‏وَجَاءَكَ فِي هذه الحق‏}‏ قال الحسنُ‏:‏ ‏{‏هذه‏}‏ إِشارة إِلى دار الدنيا، وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏هذه‏}‏، إِشارة إِلى السورة، وهو قولُ الجمهور‏.‏

قال * ع *‏:‏ ووجه تخصيص هذه السُّورة بوَصْفها بحقٍّ، والقرآن كلُّه حق أنَّ ذلك يتضمَّن معنى الوعيد للكفَرَة، والتنبيهِ للنَّاظر، أي‏:‏ جاءك في هذه السورة الحَقُّ الذي أصَابَ الأُمَم الماضيةَ، وهذا كما يقالُ عند الشدائدِ‏:‏ جَاءَ الحَقُّ، وإِن كان الحَقُّ يأتي في غَيْر الشدائدِ، ثم وصَف سبحانَه أنَّ ما تضمَّنته السورةُ هو موعظةٌ وذكْرَى للمؤمنينَ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ آيةُ وعيدٍ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَللَّهِ غَيْبُ السموات والأرض‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أية تعظيمٍ وانفراد بما لا حَظَّ لمخلوقِ فيهِ، ثم أمر سبحانه العَبْدَ بِعِبَادَتِهِ، والتوكُّلِ عليه، وفيهما زوالُ هَمِّهِ وصَلاَحُهُ، ووصُولُهُ إِلى رضوان اللَّه تعالى، فقال‏:‏ ‏{‏فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ‏}‏، اللَّهم، اجعلنا مِمَّن توكَّل عليك، ووفَّقْتَهُ لِعَبَادَتِكَ كما ترضَى، وصلَّى اللَّه على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم تسليماً، والحمد لله على جزيلِ مَا بِهِ أَنْعَمَ‏.‏

سورة يوسف

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 3‏]‏

‏{‏الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ‏(‏1‏)‏ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ‏(‏2‏)‏ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ‏(‏3‏)‏‏}‏

وقولهُ عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏الر تِلْكَ آيات الكتاب المبين‏}‏ ‏{‏الكتاب‏}‏؛ هنا القرآن، ووصفه ب ‏{‏المبين‏}‏ من جهة بيان أحكامه وحَلاَله وحرامِهِ ومَواعِظِهِ وهُدَاهُ ونُوره، ومِنْ جهة بيانِ اللسانِ العربيِّ وجودَتِهِ، والضميرُ في ‏{‏أنزلناه‏}‏‏:‏ للكتاب، و‏{‏قُرْآناً‏}‏ حالٌ، و‏{‏عَرَبِيّاً‏}‏‏:‏ صفةٌ له، وقيل‏:‏ ‏{‏قُرْآناً‏}‏‏:‏ توطئةٌ للحال، و‏{‏عَرَبِيّاً‏}‏ حالٌ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ روى ابن مسعودٍ، أنَّ أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم مَلُّوا مَلَّةً، فقالوا‏:‏ لَوْ قَصَصْتَ علينا، يَا رَسُولَ اللَّهِ‏!‏ فَنَزَلَتْ هذه الآيةُ، ثم مَلُّوا ملَّةً أخْرَى، فقالوا‏:‏ لَوْ حَدَّثْتَنَا، يَا رَسُولَ اللَّه، فنزلَتِ‏:‏ ‏{‏الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كتابا متشابها‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 23‏]‏ ‏{‏والقصص‏}‏‏:‏ الإخبار بما جَرَى من الأمور‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ بوحينا إِليك هذا، و‏{‏القرآن‏}‏‏:‏ نعت ل «هذا» ويجوز فيه البَدَلُ، والضمير في «قبله»‏:‏ للقصص العامِّ؛ لما في جميع القرآن منه، و‏{‏مِنَ الغافلين‏}‏، أي‏:‏ عن معرفة هذا القصص، وعبارةُ المَهْدَوِيِّ‏:‏ قال قتادة‏:‏ أي‏:‏ نقصُّ عليك من الكُتُب الماضيةِ، وأخبارِ الأممِ السالفةِ أحْسَنَ القصص؛ بوحينا إِليك هذا القرآن، ‏{‏وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين‏}‏ عنْ أخبار الأمم، انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏4- 6‏]‏

‏{‏إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ‏(‏4‏)‏ قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ‏(‏5‏)‏ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏6‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ ياأبت إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ‏}‏‏:‏ قيل‏:‏ إِنه رأَى كواكِبَ حقيقةً، والشمْسَ والقَمَرَ، فتأوَّلها يعقوبُ إِخْوَتَهُ وأَبَوَيْهِ، وهذا هو قولُ الجمهور، وقيل‏:‏ الإِخوةُ والأَبُ والخالةُ؛ لأَنَّ أُمَّه كانتْ ميِّتة، وروي أن رُؤْيَا يوسُفَ خَرَجَتْ بَعْدَ أربعينَ سَنَةً، وقيل‏:‏ بعد ثمانينَ سَنَةً‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏قَالَ يابني لاَ تَقْصُصْ رُءيَاكَ على إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا‏}‏ مِنْ هنا ومِنْ فعْل إِخوة يوسُفَ بيوسُفَ‏:‏ يظهر أنَّهم لم يكُونوا أَنبياءَ في ذلك الوقْتِ، وما وَقَعَ في «كتاب الطَّبريِّ» لابْنِ زَيْد؛ أنهم كانُوا أنبياءَ يردُّه القطْعُ بعصمة الأنبياءِ عن الحَسَدِ الدنيوي، وعن عقوقِ الآباءِ، وتعريض مؤمنٍ للهلاكِ، والتآمرِ في قتله‏.‏

‏{‏وكذلك يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ يختارُكَ ويصطفيك‏.‏

‏{‏وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث‏}‏ قال مجاهد وغيره‏:‏ هي عبارةُ الرؤيا وقال الحسن‏:‏ هي عواقِبُ الأمور وقيل‏:‏ هي عامَّة لذلك وغيره من المغيَّبات‏.‏

‏{‏وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ يريد بالنبوَّة وما انضاف إِلَيْها من سائر النِّعَم، ويروَى‏:‏ أَنَّ يعقُوبَ عَلِمَ هَذا مِنْ دَعْوَة إِسْحَاقَ لَهُ حِينَ تشبَّه ب «عِيصُو»، وباقي الآية بيِّن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 10‏]‏

‏{‏لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آَيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ ‏(‏7‏)‏ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏8‏)‏ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ‏(‏9‏)‏ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ‏(‏10‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيات لِّلسَّائِلِينَ‏}‏؛ إِذ كلُّ أحد ينبغي أنْ يسأل عن مثْلِ هذا القصص، إِذ هي مَقَرُّ العبر والاتعاظ؛ وقولهم‏:‏ ‏{‏وَأَخُوهُ‏}‏‏:‏ يريدون به «يَامينَ»، وهو أصغر من يوسُفَ، ويقال له‏:‏ «بِنْيَامِينُ» قيلَ‏:‏ وهو شقيقه، ‏{‏أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا‏}‏‏:‏ أي‏:‏ لصغرهما ومَوْتِ أُمهما، وهذا مِنْ حُبِّ الصغير هي فطرةُ البَشَر، وقولهم‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ عُصْبَةٌ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ جماعة تضرُّ وتنفعُ، وتحمِي وتخذل، أي‏:‏ لنا كَانَتْ تنبغي المحبَّة والمراعاةُ، والعُصْبَة في اللغة‏:‏ الجماعةُ، وقولهم‏:‏ ‏{‏لَفِي ضلال مُّبِينٍ‏}‏، أي‏:‏ لفي انتلافٍ وخطإٍ في محبَّة يوسُفَ وأخيه، وهذا هو معنى الضَّلال، وإِنما يصغر قَدْرُهُ، ويعظُم بحَسَبِ الشَّيء الذي فيه يَقَعُ الانتلافُ، و‏{‏مُّبِينٍ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ ظاهر للمتأمِّل، وقولهم‏:‏ ‏{‏أَوِ اطرحوه أَرْضًا‏}‏‏:‏ أي‏:‏ بأرضٍ بعيدةٍ؛ ف «أَرْضاً» مفعولٌ ثانٍ بإِسقاط حرف الجرِّ، والضمير في «بعده» عائدٌ على يوسُفَ، أو قتلِه، أو طرحِهِ، ‏{‏وصَالِحِينَ‏}‏‏:‏ قال مقاتل وغيره‏:‏ إِنهم أرادوا صلاَحَ الحالِ عنْد أبيهم، والقَائِلُ منهم‏:‏ «لا تقتلوه» هو‏:‏ «رُوبِيلُ» أسنُّهم؛ قاله قتادة وابنُ إِسحاق، وقيل‏:‏ هو شَمْعُونٌ؛ قاله مجاهد، وهذا عطْفٌ منه على أخيه لا محالَةَ؛ لما أراد اللَّه من إِنفاذ قضائه، و«الغيابة»‏:‏ ما غاب عنك، و‏{‏الجب‏}‏ البئر التي لم تُطْوَ؛ لأنها جُبَّتْ من الأرض فقَطْ، قال المَهْدَوِيُّ‏:‏ والجُبُّ؛ في اللغة‏:‏ البئر المقطوعة التي لم تُطْوَ، انتهى‏.‏ وال ‏{‏سَّيَّارَةِ‏}‏‏:‏ جمعُ سَيَّارٍ، وروي أن جماعةً من الأَعرابِ التقطت يوسُفَ عليه السلام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 15‏]‏

‏{‏قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ ‏(‏11‏)‏ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ‏(‏12‏)‏ قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ ‏(‏13‏)‏ قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ ‏(‏14‏)‏ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ‏(‏15‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏قَالُواْ ياأبانا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا على يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لناصحون‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية المتقدِّمة تقتضي أن أباهم قد كان عَلِمَ منهم إِرادتهم السُّوءَ في جهة يوسُفَ، وهذه الآية تقتضِي أنهم علموا هُمْ منه بعلمه ذلك، وقرأ أبو عامر وابنُ عمرو‏:‏ «نَرْتَعْ ونَلْعَبْ»- بالنون فيهما وإِسكانِ العينِ والباءِ-، و«نَرْتَع»؛ على هذا‏:‏ من الرُّتُوعِ، وهي الإِقامة في الخِصْب والمَرعَى في أكْلٍ وشربٍ، وقرأ ابن كثير‏:‏ «نَرْتَعِ ونَلْعَبْ»- بالنونِ فيهما وكَسْرِ العين وإسكان الباء-، وقد رُوِيَ عنه «ويَلْعَبْ»- بالياء- و«نَرْتَعَ»- على هذا‏:‏ من رِعَاية الإِبَل‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ من المُرَاعاة، أي‏:‏ يرعَى بعضُنا بعضاً، ويحرسُه، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي‏:‏ «يرتَع وَيَلْعَبْ» بإِسناد ذلك كلِّه إِلى يوسف، وقرأ نافع «يَرْتَعِ وَيَلْعَبْ»، ف «يَرْتَعِ»؛ على هذا‏:‏ من رعاية الإِبل، قال أبو علي‏:‏ وقراءة ابنِ كثيرٍ «نَرْتَعَ»- بالنون- و«يَلْعَبْ»- بالياء-‏:‏ منزعها حَسَنٌ؛ لإِسناد النظر في المال، والرعايةِ إِليهم، واللعب إِلى يوسف لصباه، ولعبُهُمْ هذا داخلٌ في اللعبِ المباحِ والمندوبِ كاللعب بالخيلِ والرمْي؛ وعلَّلوا طلبه والخروجَ به بما يمكنُ أنْ يَستَهوِيَ يوسُفَ لصبَاه مِنَ الرتوعِ واللعِبِ والنَّشَاطِ، وإِنما خافَ يعقُوبُ عليه السلام الذئبَ دون سواه، وخصَّصه؛ لأنه كَانَ الحيوانَ العَادِيَ المنبَثَّ في القُطْر، ولصغَرِ يوسُفَ، و‏{‏أَجْمَعُواْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ عَزَموا‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ‏}‏ يحتمل أن يكون الوحْيُ إِلى يوسُفُ حينئذٍ برسولٍ، ويحتملُ أنْ يكون بإِلهامٍ أو بنومٍ، وكلُّ ذلك قد قيل، وقرأ الجمهور‏:‏ «لَتُنَبِّئَنَّهُمُ» بالتاء من فوق‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ‏}‏‏:‏ قال ابن جُرَيْج‏:‏ معناه‏:‏ لا يشعُرُونَ وقْتَ التنبئةِ؛ أنَّكَ يوسف، وقال قتادة‏:‏ لا يشعرُونَ بوَحْينا إِليك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 18‏]‏

‏{‏وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ ‏(‏16‏)‏ قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ‏(‏17‏)‏ وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ‏(‏18‏)‏‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَجَاءُو أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ وقْتَ العشاءِ، وقرأ الحسن‏:‏ «عُشى»؛ على مثال «دُجىً»، جمع «عاشٍ»، ومعنى ذلك‏:‏ أصابهم عشى من البكاء أو شبه العَشَى، إذ كذلك هي عَيْنُ الباكي؛ لأنه يتعاشَى، ومثَّل شُرَيْحَ امرأة بكَتْ، وهي مبطلةٌ ببكاءِ هؤلاءِ؛ وقرأ الآية، و‏{‏نَسْتَبِقُ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ على الأقدام، وقيل‏:‏ بالرمْي، أي‏:‏ ننْتَضِلُ، وهو نوعٌ من المسابقة؛ قاله الزَّجَّاج، وقولهم‏:‏ ‏{‏وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا‏}‏‏:‏ أي بمصَدِّق لنا، ‏{‏وَلَوْ كُنَّا صادقين‏}‏، أي‏:‏ ولو كنا موصوفين بالصِّدْقِ، ويحتمل أنْ يكون قولهم‏:‏ ‏{‏وَلَوْ كُنَّا صادقين‏}‏‏:‏ بمعنى‏:‏ وإن كنا صادقِينَ في معتَقَدِنا‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَجَاءُو على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ‏}‏‏:‏ روي أنهم أَخَذُوا سَخْلَةً أَوْ جَدْياً، فذبحوه، ولَطَّخُوا به قميصَ يُوسُفَ، وقالوا ليعقوب‏:‏ هذا قميصه، فأخذه وبكَى ثم تأمَّله، فلم يَرَ خِرَقاً، ولا أثر نابٍ؛ فاستدل بذلك على كذبهم، وقال لهم‏:‏ كان الذئْبُ حليماً يأكُلُ يوسُفَ، ولا يخرق قميصَهُ؛ قصَّ هذا القَصَصَ ابن عباس وغيره، وأجمعوا على أنه استدل على كذبهم بصحَّة القميصِ، واستند الفقهاءُ إِلى هذا في إِعْمَالِ الأماراتِ في مسائِل؛ كالقَسَامة بها في قول مالكٍ إِلى غير ذلك‏.‏ قال الشعبيُّ‏:‏ كان في القميصِ ثلاثُ آيات‏:‏ دلالتُهُ على كذبهم، وشهادَتُهُ في قَدِّه، ورَدُّ بَصَرِ يَعقُوبَ به، ووصف الدَّم بالكَذِبِ الَّذي هو مَصْدَرٌ على جهة المبالغةِ، ثم قال لهم يعقوب‏:‏ ‏{‏بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ‏}‏، أي‏:‏ رَضيَتْ وجَعَلَتْ سؤلاً ومراداً ‏{‏أمْراً‏}‏، أي‏:‏ صنعاً قبيحاً بيوسف‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَصَبْرٌ جَمِيلٌ‏}‏‏:‏ إِما على حذف المبتدأ، أي‏:‏ فشأني صبرٌ جميلٌ، وإِما على حَذْفِ الخبر، تقديره‏:‏ فصبرٌ جميلٌ أَمْثَلُ، وجميلُ الصَّبْرِ‏:‏ أَلاَّ تقع شَكْوَى إِلى بشر، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ مَنْ بَثَّ، لَمْ يَصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً ‏"‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏والله المستعان على مَا تَصِفُونَ‏}‏‏:‏ تسليم لأمر اللَّه تعالى، وتوكُّل عليه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 22‏]‏

‏{‏وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ‏(‏19‏)‏ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ‏(‏20‏)‏ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏21‏)‏ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ‏}‏‏:‏ قيل‏:‏ إِن السيارة جاءَتْ في اليومِ الثاني من طرحه، و«السيارةُ»‏:‏ بتاءُ مبالغةٍ للذين يردِّدون السيْرَ في الطُرق‏.‏

قال * ص *‏:‏ و«السَّيَّارَة»‏:‏ جمع سَيَّار، وهو الكثيرُ السَّيْر في الأرض‏.‏ انتهى‏.‏ و«الوَارد»‏:‏ هو الذي يأتي الماءَ يستَقي منه لجماعته، وهو يَقَعُ على الواحدِ وعلى الجَمَاعَةِ‏.‏ وروي أنَّ مُدْلِيَ الدَّلْو كان يسمَّى مَالِكَ بْنَ دعر، ويروَى أَنَّ هذا الجُبَّ كان بالأُرْدُنِّ على ثلاثةِ فراسِخَ من منزل يَعْقُوبَ، ويقال‏:‏ أدلَى دلْوَهُ؛ إِذا ألقاه ليستقِيَ الماءَ، وفي الكلام حذفٌ، تقديره‏:‏ فتعلَّق يوسُفُ بالحَبْل، فلما بَصُرَ به المُدْلِي، قال‏:‏ ‏{‏يابشراي‏}‏، وروي أنَّ يوسُفَ كان يومئِذٍ ابنَ سَبْعَ سِنينَ؛ ويرجِّح هذا لفظةُ ‏{‏غُلاَمٌ‏}‏؛ فإِنها لِمَا بَيْنَ الحولَيْن إِلى البلوغِ، فإِن قيلتْ فيما فَوْقَ ذلك، فعلى استصحاب حالٍ، وتجوُّزٍ، وقرأَ نافعٌ وغيره‏:‏ «يا بُشْرَايَ» بإِضافةِ البُشْرَى إِلى المتكلِّم، وبفتح الياء على ندائها؛ كأنه يقولُ‏:‏ احضري، فهذا وَقْتُكِ، وقرأ حمزة والكسائي‏:‏ «يَا بُشْرى»، ويميلاَنِ ولا يضيفَانِ، وقرأ عاصمٌ كذلك إِلاَّ أَنه يفتح الراءَ ولا يُمِيلُ، واختلف في تأويل هذه القراءة، فقال السدي‏:‏ كان في أصحاب هذا الوارد رَجُلٌ اسمه «بُشْرَى»؛ فناداه، وأعلمه بالغلامِ، وقيل‏:‏ هو على نداءِ البُشْرَى؛ كما قدَّمنا‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَأَسَرُّوهُ بضاعة‏}‏ قال مجاهد‏:‏ وذلك أنَّ الوُرَّاد خَشُوا من تُجَّار الرفْقة، إِنْ قالوا وجدْنَاه؛ أنْ يشاركوهم في الغُلاَمِ الموجُودِ، يعني‏:‏ أو يمنعوهم من تملُّكه، إِن كانوا أخياراً، فأسروا بينهم أنْ يقولُوا‏:‏ أَبْضَعَهُ مَعَنَا بعْضُ أهْلِ المِصْرِ، و«بِضَاعة»‏:‏ حالٌ، والبضاعة‏:‏ القطعةُ من المالِ يُتْجَرُ فيها بِغَيْرِ نصيبٍ من الرِّبْحِ؛ مأخوذة من قولهم‏:‏ «بَضْعَة»؛ أي‏:‏ قطعة، وقيل‏:‏ الضمير في «أَسَرُّوه» يعود على إِخوة يوسف‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ‏}‏‏:‏ «شروه»؛ هنا‏:‏ بمعنى بَاعُوه، قال الداوديُّ‏:‏ وعن أبي عُبَيْدة‏:‏ ‏{‏وَشَرَوْهُ‏}‏ أي‏:‏ باعوه، فإِذا ابتعت أَنْتَ، قُلْتَ‏:‏ اشتريت انتهى، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه»‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ‏}‏‏:‏ يقال‏:‏ اشتريت بمعنى بِعْتُ، وَشَرَيْتُ بمعنى اشتريت؛ لغة انتهى، وعلى هذا، فلا مانِعَ مِنْ حمل اللفظ على ظاهره، ويكون «شَرَوْهُ» بمعنى‏:‏ «اشتروه»‏.‏

قال * ع *‏:‏ روي أن إِخوة يُوسُفَ لمَّا علموا أن الوُرَّاد قد أخذوه جاؤوهم، فقالوا‏:‏ هذا عَبْدٌ قد أَبَقَ منا، ونحنُ نبيعُهُ منكم، فقارَّهم يوسُفُ على هذه المقالة؛ خوفاً منهم، ولينفذ اللَّه أمره، وال ‏{‏بَخْسٍ‏}‏‏:‏ مصدر وُصِفَ به الثمن، وهو بمعنى النَّقْصِ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏دراهم مَعْدُودَةٍ‏}‏‏:‏ عبارةٌ عن قلة الثمن؛ لأنها دراهم، لم تبلغْ أنْ توزَنَ لقلَّتها، وذلك أنهم كانوا لا يزنُونَ ما كان دون الأوقية، وهي أربعون درهماً‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين‏}‏‏:‏ وصفٌ يترتب في إِخوة يوسف، وفي الوُرَّاد، ولكنَّه في إِخوة يوسف أرتَبُ؛ إِذ حقيقة الزهْدِ في الشيء إِخراجُ حُبِّه من القَلْبِ ورَفْضُهُ من اليدِ، وهذه كانَتْ حالَ إِخوة يوسُفٌ في يوسُفَ، وأمَّا الورَّاد، فإِنَّ تمسُّكَهم به وتَجْرَهُمْ يمانِعُ زُهْدَهم إِلا على تجوُّزٍ، قال ابْن العربيِّ في «أحكامه»‏:‏ ‏{‏وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين‏}‏‏:‏ أي‏:‏ إِخوته والواردة، أَما إِخوته؛ فلأنَّ مقصودهم زوالُ عَيْنِه، وأما الواردة، فلأنهم خافوا اشتراك أصحابهم معهم‏.‏

انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الذي اشتراه مِن مِّصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عسى أَن يَنفَعَنَا‏}‏‏:‏ روي أنَّ مبتاع يوسُفَ وَرَدَ به مصْرَ البلدِ المعروفِ؛ ولذلك لا ينصرفُ، فَعَرَضَهُ في السُّوقِ، وكان أجْمَلَ الناس، فوقَعَتْ فيه مزايدةٌ حتى بلغ ثمناً عظيماً، فقيل‏:‏ وزنه من ذهبٍ، ومن فضةٍ، ومن حريرٍ، فاشتراه العزيزُ، وهو كان حَاجِبَ المَلِكِ وخازِنَة، واسم المَلِك الرَّيَّانُ بْنُ الوَلِيدِ، وقيل‏:‏ مُصْعَبُ بْنُ الرَّيَّانِ، وهو أحد الفراعِنَةِ، واسمُ العزيزِ المذْكُورِ‏:‏ «قطيفين»؛ قاله ابن عباس، وقيل‏:‏ «أظفير»، وقيل‏:‏ «قنطور»، واسم امرأته‏:‏ «رَاعيل»، قاله ابنُ إِسحاق، وقيل‏:‏ «زُلَيْخَا»، قال البخاريُّ‏:‏ و‏{‏مَثْوَاهُ‏}‏‏:‏ مَقَامُهُ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا‏}‏ أي‏:‏ نتبنَّاه، وكان فيما يُقَالُ‏:‏ لا ولد له، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك‏}‏، أي‏:‏ وكما وصفْنا ‏{‏مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض وَلِنُعَلِّمَهُ‏}‏ فعلنا ذلك، و‏{‏الأحاديث‏}‏‏:‏ الرؤيا في النوْمِ؛ قاله مجاهد، وقيل‏:‏ أحاديث الأنبياء والأمم، والضمير في «أمره» يحتمل أنْ يعودَ على يوسف؛ قاله الطبري، ويحتملُ أن يعود على اللَّهِ عزَّ وجلَّ؛ قاله ابن جُبَيْر، فيكون إِخباراً منبِّهاً على قدرة اللَّه عزَّ وجلَّ ليس في شأن يوسُفَ خاصَّة، بل عامًّا في كل أمر، و«الأَشُدَّ»‏:‏ استكمال القوة وتناهِي بِنْيَةِ الإِنسان، وهما أَشُدَّان‏:‏ أولهما، البلوغ، والثاني‏:‏ الذي يستعمله العرب‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ و‏{‏آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا‏}‏‏:‏ يحتمل أن يريد بالحُكْم‏:‏ الحكمة والنبوَّة، وهذا على الأشُدِّ الأعلَى، ويحتملُ أن يريد بالحُكْمِ‏:‏ السلطانَ في الدنيا وحكماً بين الناس، وتدخُلُ النبوَّة وتأويلُ الأحاديث وغير ذلك في قوله‏:‏ ‏{‏وَعِلْماً‏}‏، وقال ابن العربيِّ‏:‏ ‏{‏آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا‏}‏‏:‏ الحُكْم‏:‏ هو العَمَلُ بالعلْمِ‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وكذلك نَجْزِي المحسنين‏}‏‏:‏ عبارةٌ فيها وعد للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، أي‏:‏ فلا يهولَنَّكَ فعل الكَفَرة وعتوّهم عليك، فاللَّه تعالى يصنع للمحْسِنِين أجْمَلَ صنع‏.‏